الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
475
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
3 - واحتملوا أيضا أن هذا التسبيح هو التسبيح التكويني الذي ينطق به لسان حال كل مخلوق ، ونظام خلقهم يقول : إن الله خال من العيوب والنقص ، وإنه مقدس ومنزه وعالم وقادر ، ويمتلك كافة صفات الكمال . ولكن هذا المعنى لا يختص بداود حتى يعد من مناقبه ، ولهذا فإن التفسير الثاني يعد أنسب ، وما ذكر فيه غير مستبعد قياسا بقدرة الله . فالمناجاة موجودة داخل جميع مخلوقات الكون ، وترانيمها تتردد على الدوام في بواطنها ، وقد أظهرها الله سبحانه وتعالى لداود ( عليه السلام ) ، كما في الحصاة التي كانت تسبح الله وهي في يد رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) . وتواصل الآية التالية استعراض نعم الله على داود ( عليه السلام ) ، قال تعالى : وشددنا ملكه أي ثبتنا وأحكمنا مملكته ، بحيث كان العصاة والطغاة من أعدائه يحسبون لمملكته ألف حساب لقوتها . وإضافة إلى هذا فقد آتيناه الحكمة والعلم والمعرفة وآتيناه الحكمة الحكمة التي يقول بشأنها القرآن المجيد ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا . ( الحكمة ) هنا تعني العلم والمعرفة وحسن تدبير أمور البلاد ، أو مقام النبوة ، أو جميعها . وقد تكون " الحكمة " أحيانا ذات جانب علمي ويعبر عنها ب " المعارف العالية " ، وأخرى لها جانب عملي ويعبر عنها ( بالأخلاق والعمل الصالح ) وقد كان لداود في جميعها باع طويل . وآخر نعمة إلهية أنعمت على داود هي تمكنه من القضاء والحكم بصورة صحيحة وعادلة وفصل الخطاب . وقد استخدمت عبارة ( فصل الخطاب ) لأن كلمة " الخطاب " تعني أقوال طرفي النزاع ، أما ( فصل ) فإنها تعني القطع والفصل .